البينة
في معرفة أحوال المبتدع ومخالف السنة
"لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَة"

كتبها:
أبو العباس خضر بن نور السالم الملكي الأندونيسي

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمْدَ لله، نَحْمَدُه، ونستعينُه، ونستغفرُهُ، ونعوذُ به مِن شُرُورِ أنفُسِنَا، وَمِنْ سيئاتِ أعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِه الله فَلا مُضِلَّ لَهُ، ومن يُضْلِلْ، فَلا هَادِي لَهُ.
وأَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وأشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبْدُه ورَسُولُه.
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102] .
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1] .
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70، 71].
أما بعد: {إِنَّ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَأَحْسَنَ الْهَدْىِ هَدْىُ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم-، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَ{إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآَتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ} [الأنعام/134].
فإني لما رأيت وسمعت الحزبيين في بلادي إندونيسيا منهم لقمان بن محمد باعبده, وذوالقرنين بن محمد سانوسي, ومحمد السربيني, وخليف الهادي, وأسامة مهري, وقمر سعيدي, ومحمد عفيف الدين, وعسكري وغيرهم –لا بارك الله فيهم- يبتدعون في الدين علي حسب أهوائهم, ويستميلون كثيرا من الجهال والعوام, ويهدمون بتلبيسهم في أمور الدين, أحببت أن أجمع مختصرا أذكر أحوالهم التي ذكرها الله تعالى ورسوله –صلى الله عليه وسلم- في القرآن والسنة الصحيحة, وسميتها: "البينة في معرفة أحوال المبتدع ومخالف السنة لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَة".
أسأل الله أن ينفع به قارئه وأن يعم نفعه بين المسلمين وأجعله خالصا لوجه الكريم ورفعة في جنات النعيم, والحمد لله رب العالمين.

كتبه أبو العباس خضر بن نور السالم الملكي الأندونيسي
في دار الحديث بدماج في يوم الجمعة 16 رمضان 1431 هـ


الأولى: أنهم متفرقون في دينهم.
كان الدعاة السلفيين والدعاة الحزبيين في إندونيسيا مجتمعين على الطريقة البدعية, وبعضهم ابتدعوا الجمعية في الدعوة, فلما اختلفوا في عبد الرحمن العدني هل هو حزبي أم لا؟ بين العلماء وطلبة العلم ليفصلوا بينهما, ويقيموا الحجة عليهم, فتحزب فريق منهم وبقي الفريق الآخر على الهدى.
وكان محمد عمر السويد وذو الأكمل وأصحابهما إختلفوا في بعض المسائل على حسب أهوائهم, ولكن في فتنة عبد الرحمن العدني اتفقوا أنهم معه, واتفقوا على أن عبد الرحمن العدني ليس حزبي. وتكلموا أيضا أن دار الحديث بدماج فيها حداديون وهذه سلعة بائرة –والحمد لله هذا الكلام ما هو الصحيح بل هذا الكلام كذب مفترى والواقع يشهد على هذا-, وهكذا أحوال المقلدين, وهذا يدل على أنهم جاهلون في الشريعة, وقد ذم الشارع التقليد, قال الله تعالى: {وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ [إبراهيم/21].
وقال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآَنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (31) [سبأ/31].
وقال تعالى: قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (32) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (33) [سبأ/32، 33].
وقال تعالى: وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (47) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (48) وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (49) [غافر/47-49].
واعلم أن أكثر الاختلاف بين الأمة الذي يورث الأهواء؛ تجده من هذا الضرب، وهو: أن يكون كل واحد من المختلفين مصيبا فيما يثبته، أو في بعضه مخطئا في نفي ما عليه الآخر, وقد وصف الله تعالى اختلافا في هذه الأمة بقوله: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53)} [المؤمنون/52-54].
ووصف النبي -صلى الله عليه وسلم- أن هذه الأمة تفترق على ثلاث وسبعين فرقة كما في "سنن الترمذي" قال رحمه الله (2852): حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ أَبُو عَمَّارٍ حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «تَفَرَّقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ أَوِ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَالنَّصَارَى مِثْلَ ذَلِكَ وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِى عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً». وَفِى الْبَابِ عَنْ سَعْدٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَعَوْفِ بْنِ مَالِكٍ. قَالَ أَبُو عِيسَى حَدِيثُ أَبِى هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
الحديث أخرجه الإمام أبو داود رحمه الله (4598).
وقال الإمام الوادعي رحمه الله في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (ج 2, ص 345 برقم 1317): هذا حديث حسن.
فبين أن عامة المختلفين هالكون، إلا فرقة واحدة، وهم أهل السنة والجماعة.
قال الإمام ابن ماجه رحمه الله (4127): حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ دِينَارٍ الْحِمْصِىُّ حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً فَوَاحِدَةٌ فِى الْجَنَّةِ وَسَبْعُونَ فِى النَّارِ وَافْتَرَقَتِ النَّصَارَى عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً فَإِحْدَى وَسَبْعُونَ فِى النَّارِ وَوَاحِدَةٌ فِى الْجَنَّةِ وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَتَفْتَرِقَنَّ أُمَّتِى عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً فَوَاحِدَةٌ فِى الْجَنَّةِ وَثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِى النَّارِ». قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هُمْ قَالَ «الْجَمَاعَةُ».
فأمرنا الله عز وجل بالاجتماع، ونهانا عن التفرق, وقال عز ذكره: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [ آل عمران: 102 - 103 ].
وقال عز ذكره: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} [الشورى/13].
وقال عز ذكره: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} [آل عمران: 103].
وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} [الأنعام/159].
وقال عز وجل: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} [آل عمران/105].
وقال الله تعالى: {وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) [الروم/31، 32].

الثانية: أن منهاجهم مبني على التقليد
فقد سمعت بأذني كلام ذي القرنين بن محمد سانوسي فلما سمع بعض السلفيين يقولون: أن الدعوة بالمدرسة ما يصلح, لأنها فيها مخالفة الشريعة الظاهرة. ورد ذوالقرنين هذا الكلام بدون دليل ولا برهان, وقال: هؤلاء متشددون, وفي السعودية المدرسة موجودة, وكثير العلماء كمثل الشيخ مقبل, والشيخ صالح الفوزان, والشيخ ربيع تخرجوا من المدرسة.
فقد رد هذه الشبهة الإمام الوادعي رحمه الله وخليفته الشيخ الناصح الأمين حفظه الله في بعض دروسهما -والحمد لله-.
وسمعت أيضا كلام بعض المقلدين منهم لقمان باعبده, ومحمد عمر السويد, وأبو عبد الله سالم, وعبد السلام وغيرهم -من المتسولين باسم الدعوة- فلما قرأوا رسائل بعض طلبة العلم أن المسألة المذمومة, فقالوا: جوز الشيخ مقبل رحمه الله الاقتراح (ورقة المسألة).
فنقول: أن كلام المتسولين هذا فيه نظر, لأن الإمام الوادعي رحمه الله عنده المركز العلمي بدون الجمعية ولا التسولات, وعنده أيضا كتاب "ذم المسألة".
فهذه نوع من أنواع التقليد الأعمى, فهو القاعدة الكبرى لجميع حزب الشياطين أولهم وآخرهم كما قال الله تعالى: وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُون [الزخرف/23].
وقال تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ [البقرة/170].
وقال تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ [المائدة/104].
وقال تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِي [لقمان/21].

الثالثة: الاستدلال على بطلان الشيء بأنه لم يتبعه إلا الصغار أو الجدد
قال الله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ} [البقرة/91].
وقال تعالى: { وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ [البقرة/89].
قال شيخ الإسلام في "اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم" (ج 1 / ص 87): فوصف اليهود: بأنهم كانوا يعرفون الحق قبل ظهور الناطق به، والداعي إليه. فلما جاءهم الناطق به من غير طائفة يهوونها لم ينقادوا له. وأنهم لا يقبلون الحق إلا من الطائفة التي هم منتسبون إليها، مع أنهم لا يتبعون ما لزمهم في اعتقادهم. اهـ.
وذهب بعض الحزبيين منهم عبد الجبار, ولقمان بن محمد باعبده, ومحمد السربيني وغيرهم أن جرح علماء دار الحديث بدماج على عبد الرحمن العدني لا يقبل, لأنهم من العلماء الجدد وأيضا ليسوا من العلماء الكبار.
وهذه ليست من طريقة أهل السنة والجماعة لأن طريقة أهل السنة والجماعة هي الرجوع إلى الحق متى ظهر لهم ويقبلونه ممن جاء به سواء أكان الذي جاء به صغيرا أم كبيرا, قريبا أم بعيدا. قال الإمام البخارى رحمه الله (4294): حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِى بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضى الله عنهما- قَالَ كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِى مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِمَ تُدْخِلُ هَذَا الْفَتَى مَعَنَا، وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ فَقَالَ إِنَّهُ مِمَّنْ قَدْ عَلِمْتُمْ. قَالَ فَدَعَاهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ، وَدَعَانِى مَعَهُمْ قَالَ وَمَا رُئِيتُهُ دَعَانِى يَوْمَئِذٍ إِلاَّ لِيُرِيَهُمْ مِنِّى فَقَالَ مَا تَقُولُونَ (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ) حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ أُمِرْنَا أَنْ نَحْمَدَ اللَّهَ وَنَسْتَغْفِرَهُ، إِذَا نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لاَ نَدْرِى. أَوْ لَمْ يَقُلْ بَعْضُهُمْ شَيْئًا. فَقَالَ لِى يَا ابْنَ عَبَّاسٍ أَكَذَاكَ تَقُولُ قُلْتُ لاَ. قَالَ فَمَا تَقُولُ قُلْتُ هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَعْلَمَهُ اللَّهُ لَهُ (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) فَتْحُ مَكَّةَ، فَذَاكَ عَلاَمَةُ أَجَلِكَ (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) قَالَ عُمَرُ مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلاَّ مَا تَعْلَمُ.
وفي "حلية الأولياء" (ج 1 / ص 134) عن عبدالرحمن بن عبدالله بن مسعود عن أبيه قال أتاه رجل فقال يا أبا عبدالرحمن علمني كلمات جوامع نوافع فقال أعبد الله ولا تشرك به شيئا وزل مع القرآن حيث زال ومن جاءك بالحق فاقبل منه وإن كان بعيدا بغيضا ومن جاءك بالباطل فاردد عليه وإن كان حبيبا قريبا.
قال الإمام الشوكاني -رحمه الله- في "أدب الطلب ومنتهى الأرب" (ص: 142): ومن الآفات المانعة عن الرجوع إلى الحق أن يكون المتكلم بالحق حدث السن بالنسبة إلى من يناظره أو قليل العلم أو الشهرة في الناس, واللآخر بعكس ذلك فإنه قد تحمله حمية الجاهلية والعصبية الشيطانية على التمسك بالباطل أنفة منه عن الرجوع إلى قول من هو أصغر منه سنا أو أقل منه علما أو أخفى شهرة ظنا منه أن في ذلك عليه ما يحط منه وينقص ما هو فيه, وهذا الظن فاسد فإن الحط والنقص إنما هو في التصميم على الباطل, والعلو والشرف فى الرجوع إلى الحق بيد من كان وعلى أي وجه حصل. اهـ.

الرابعة: أنهم يسألون الناس إلحافا
فقد قامت محاضرة الحزبيين في إندونيسيا منها محاضرة عبد الرحمن العدني وأخيه عبد الله في جوكجاكرتا, وقامت هذه المحاضرة في تحت جمعية الشريعة جوكجاكرتا, وقامت أيضا بسبب التسولات باسم دعوة السلفية.
وقامت أيضا معاهد الحزبيين بسبب الجمعيات والتسولات باسم دعوة السلفية منها معهد دار الآثار لخالف الهادي, ومعهد البية الإسلامية لأغوس سعيدي, ومعهد أبي بكر الصديق لسيف الله, ومعهد ضياء السنة لمحمد عمر السويد وغيرها.
وأما محاضرة أهل السنة في إندونيسيا مع الشيخ عبد الله الإرياني وعبد الغاني -حفظهما الله- فقامت بدون الجمعية ولا التسولات. ومن المعلوم أن دعوة أهل السنة دعوتهم على السنة والعفة وقد وصف الله سبحانة عنهم: يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيم [البقرة/273].
قال الإمام أحمد رحمه الله (21931): حَدَّثَنَا مَرْحُومٌ حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِىُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِى ذَرٍّ قَالَ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- حِمَاراً وأَرْدَفَنِى خَلْفَهُ وَقَالَ «يَا أَبَا ذَرٍّ أَرَأَيْتَ إِنْ أَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ شَدِيدٌ لاَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقُومَ مِنْ فِرَاشِكَ إِلَى مَسْجِدِكَ كَيْفَ تَصْنَعُ». قَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «تَعَفَّفْ». قَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ أَرَأَيْتَ إِنْ أَصَابَ النَّاسَ مَوْتٌ شَدِيدٌ يَكُونُ الْبَيْتُ فِيهِ بِالْعَبْدِ -يَعْنِى الْقَبْرَ- كَيْفَ تَصْنَعُ». قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «اصْبِرْ». قَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً -يَعْنِى- حَتَّى تَغْرَقَ حِجَارَةُ الزَّيْتِ مِنَ الدِّمَاءِ كَيْفَ تَصْنَعُ». قَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «اقْعُدْ فِى بَيْتِكَ وَأَغْلِقْ عَلَيْكَ بَابَكَ». قَالَ فَإِنْ لَمْ أُتْرَكْ. قَالَ: «فَائْتِ مَنْ أَنْتَ مِنْهُمْ فَكُنْ فِيهِمْ. قَالَ فَآخُذُ سِلاَحِى. قَالَ: «إِذاً تُشَارِكَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ وَلَكِنْ إِنْ خَشِيتَ أَنْ يَرُوعَكَ شُعَاعُ السَّيْفِ فَأَلْقِ طَرَفَ رِدَائِكَ عَلَى وَجْهِكَ حَتَّى يَبُوءَ بِإِثْمِهِ وإثْمِّكَ».
قال الإمام الوادعي -رحمه الله- في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (ج 1, ص 214 برقم 269): هذا حديث صحيح.

الخامسة: أنهم يكتمون الهدى والبينات
وأمر عبد المعطى, وعبد الرحمن لمبوك, ومهيمن, وهرغا لفرلس (مختار), وأبو أفيفة هاريادي وغيرهم أن يكتموا ما جاءهم من الهدى والبيات عن حزبية شيخهم عبد الرحمن العدني.
فاعلم أن هذا الفعل هو من أفعال حزب الشيطان وهو السبب الذي انحرف به أهل الكتاب, قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ [البقرة/159].
وقال الله تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [البقرة/16].
وقال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (176) [البقرة/174-176].
قال الإمام الشوكاني رحمه الله في "أدب الطلب" (ص: 106): ومن جملة الأسباب التي يتسبب عنها ترك الإنصاف ويصدر عنها العبد عن الحق وكتم الحجة وعدم ما أوجبه الله من البيان: حب الشرف والمال". اهـ.

السادسة: نسبة باطلهم إلى العلماء
وقال أسامة المهري ومحمد عمر السويد وأصحابهما: أنهم ذهبوا إلى الأمبون للجهاد في سبيل الله وخرجوا عن طاعة الأمراء ثم قتلوا وضربوا بعض المسلمين بسبب طاعتهم العلماء الذين قالوا: الجهاد في الأمبون واجب على المسلمين أو السلفيين في إندونسيا.
فهذا القول يعتبر من أخلاق أهل الكتاب نسبوا باطلهم إلى الأنبياء, قال الله تعالى: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْر [البقرة/102].
وقال تعالى: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [آل عمران/67].

السابعة: تناقضهم في النسبة, ينسبون إلى السلف الصالح مع إظهارهم ترك اتباعه.
فقد قامت الدعوة الحزبية بسبب الجمعيات, الذين يسمون بالجمعيات السلفية, منها: جمعية الشريعة لقمر سوعيدي, وجمعية السنة لأبي نوفل حارث, وجمعية أبي بكر الصديق لسيف الله, وجمعية السلفي لأغوس رويفع, وجمعية البينة الإسلامية السلفية لمحمد عفيف الدين, وجمعية ابن القيم لعسكري, وجمعية المهاجرين والأنصار لأيوب, وجمعية منهاج السنة لأبي خالد التاجر وجمعية دار الآثر لخليف الهادي, وغيرها.
وزعم الحزبيون أنهم أهل السنة والجماعة, وسمعت أن لقمان بن محمد باعبده الحزبي وأصحابه يقولون: نحن السلفيون!
فأقول: وكثير أهل البدعة والفرقة يقولون: نحن أهل السنة والجماعة, نحن السلفيون إلخ... لكن إذا نظرت الحقيقة، كُلٌ يَدَّعِي وَصْلا بالجماعة؛ لكن هل يصح ادِّعَاؤُهُ أم لا يصح؟ قال الشاعر:
كلٌ يَدَّعي وصلاً لليلى وليلى لا تُقِر لهم بذاكا
قال الإمام محمد بن عبد الوهاب في "مسائل الجاهلية": أن كل فرقة تدعى أنها الناجية فأكذبهم الله بقوله: {هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِي} [البقرة/111] [ النحل : 64 ] ثم بين الصواب بقوله: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِن [البقرة/112]. اهـ.
فأما الذي يزعم أنه على مذهب أهل السنة والجماعة فيتبع طريق أهل السنة والجماعة ويترك المخالفين، وأمَّا الذي يريد أن يجمع بين النار والماء في كِفَّة؛ فلا يمكن هذا، فلا يجتمع أهل السنة والجماعة مع مذهب المخالفين لهم كالخوارج، والمعتزلة، والحزبيين وغيرهم.
فالحاصل أنه لا بد من تمييز الأمور وتمحيصها.

الثامنة: أنهم اتخذوا منهاج السلف لهوا ولعبا.
كان عبد البر اللعاب في دار الحديث بدماج يقول لصاحبه: لا تتستعجل أن تكون سلفيا حتى تستطع تلعب غيم (اللعب الإليكتروني).
وقد قرأ بعض الحزبيين كتاب "ذم المسألة" وعرفوا أن المسألة مذمومة لكنهم يريدون أن يتخذوا دينهم لهوا ولعبا من أجل الأموال, فبين الله تعالى عن هؤلاء: الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ [الأعراف/51].
قال الله تعالى: وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُون [الأنعام/70].
وقد نهانا الله تعالى عن هذه المسألة, قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57) [المائدة/57].
قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57) وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (58) [المائدة/57-58].

التاسعة: تحريف كتاب الله من بعد ما عقلوه وهم يعلمون.
قال الله تعالى: لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء/114].
وفسر هذه الأية الدكتور الأحمق محمد فائق سليفي: قوله تعالى: (نَجْوَاهُمْ) أي الجمعية.
وقال أبو حنيفة فرمان: أن الجمعية موجودة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد وصف الله تعالى في كتابه عن هذين الرجلين وسائر المنحرفين الضالين, قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَاب [آل عمران/7].
قال الإمام البخارى (4547): حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِىُّ عَنِ ابْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ -رضى الله عنها- قَالَتْ تَلاَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- هَذِهِ الآيَةَ (هُوَ الَّذِى أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ) إِلَى قَوْلِهِ: (أُولُو الأَلْبَابِ) قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «فَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ، فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ، فَاحْذَرُوهُمْ».
أخرجه مسلم (برقم 2665).

العاشرة: أنهم لا يعملون بعلمهم
ومن طلاب الشيخ مقبل رحمه الله أبو الحسن المأربي, وجعفر عمر طالب الأندونيسي, وعبد الرحمن العدني, وعبد الله المرعي وغيرهم, وهؤلاء يعرفون الحق ولكن بسبب الأهواء وعدم العمل بعلمهم ثم صاروا من المنحرفين والحزبيين, قال الإمام الشوكاني رحمه الله في "أدب الطلب" (ص: 92): فإذا سمع عالما من العلماء يفتي بخلافه أو يعمل على ما لا يوافقه اعتقد أنه من أهل الضلال ومن الدعاة إلى البدعة. اهـ.
وقال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3) [الصف/2، 3].

الحادية عشرة: أنهم لا يقبلون من الحق إلا مع طائفتهم.
وحذر أبو عفيفة هاريادي وآيف شفر الدين وأصابهما الناس عن كتاب التجويد "إقرأ قرائتي لأبي تراب الجاوي" لأن أبا تراب الجاوي من طلاب دار الحديث بدماج وليس معهم. وهذا الفعل ليس من أخلاق الصالحين بل هو من أخلاق الجاهلين وأهل الكتاب, قال الله تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ [البقرة/91].

الثانية عشرة: إضافة البركة إلى البدعة
وزعم أبو كريمة عسكري وأصحابه أن الجمعية فيها بركة. وهذا باطل! والصواب أن الجمعية فتنة لأن البركة من الله سبحانه, قال الله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون [الأعراف/96].
ففي هذه الأية تدل على أن البركة من الله تعالى. وفي "الصحيح" قال الإمام البخارى (5639): حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ حَدَّثَنِى سَالِمُ بْنُ أَبِى الْجَعْدِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -رضى الله عنهما- هَذَا الْحَدِيثَ قَالَ قَدْ رَأَيْتُنِى مَعَ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- وَقَدْ حَضَرَتِ الْعَصْرُ وَلَيْسَ مَعَنَا مَاءٌ غَيْرَ فَضْلَةٍ فَجُعِلَ فِى إِنَاءٍ، فَأُتِىَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- بِهِ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ وَفَرَّجَ أَصَابِعَهُ ثُمَّ قَالَ: «حَىَّ عَلَى أَهْلِ الْوُضُوءِ، الْبَرَكَةُ مِنَ اللَّهِ». فَلَقَدْ رَأَيْتُ الْمَاءَ يَتَفَجَّرُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، فَتَوَضَّأَ النَّاسُ وَشَرِبُوا، فَجَعَلْتُ لاَ آلُو مَا جَعَلْتُ فِى بَطْنِى مِنْهُ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ بَرَكَةٌ قُلْتُ لِجَابِرٍ كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ قَالَ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ. تَابَعَهُ عَمْرٌو عَنْ جَابِرٍ. وَقَالَ حُصَيْنٌ وَعَمْرُو بْنُ مُرَّةَ عَنْ سَالِمٍ عَنْ جَابِرٍ خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً. وَتَابَعَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ جَابِرٍ.

الثالثة عشرة: أن أئمتهم إما عالم فاجر وإما عابد جاهل
ومن أئمتهم في السعودية عبيد الجابري, قام ويتكلم عن دار الحديث بدماج ومشايخها بلا بصيرة, وقد وصف الله تعالى عن هذا الرجل في كتابه الكريم: فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج/46].
وأما في إندونيسيا فهو لقمان بن باعبده الفاجر وأصحابه, وهم تعتبر من أجهل الناس في أمور الدين والدنيا, وقد وصف الرسول صلى الله عليه وسلم. قال الإمام ابن ماجه (4172): حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ قُدَامَةَ الْجُمَحِىُّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِى الْفُرَاتِ عَنِ الْمَقْبُرِىِّ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «سَيَأْتِى عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتٌ يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ وَيُخَوَّنُ فِيهَا الأَمِينُ وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ قِيلَ وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ قَالَ الرَّجُلُ التَّافِهُ فِى أَمْرِ الْعَامَّةِ».
الحديث أخرجه أحمد (ج 17 / ص 162 برقم 8131).
والحديث في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين".
ووقوع هؤلاء علامة من علامات الساعة قال الإمام البخارى رحمه الله (6496): حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا هِلاَلُ بْنُ عَلِىٍّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه- قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «إِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ». قَالَ كَيْفَ إِضَاعَتُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «إِذَا أُسْنِدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ، فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ».
وقال الإمام البخارى رحمه الله (100): حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِى أُوَيْسٍ قَالَ حَدَّثَنِى مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا، يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالاً فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا». قَالَ الْفِرَبْرِىُّ حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ قَالَ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ هِشَامٍ نَحْوَهُ.
الحديث أخرجه مسلم (6971).

الرابعة عشرة: عظمة الدنيا في قلوبهم
الجمعية هي الوسيلة الأعظم في فتنة الدنيا, فكثير الحزبيين يستطيعون رحلة إلى مراكز العلماء بسبب الجمعية, فلما رجعوا جلسوا مع أصحابهم في الجمعية, ويتكلمون ويطعنون العلماء الذين يقولون: الجمعية في الدعوة بدعة! الجمعية وسيلة إلى الحزبية!.
وكتب بعض الحزبيين الرسائل في مسألة الجمعية منهم عسكري وخالف الهادي وغيرهما. وكذلك المتعصبون الجاهلون كتبوا هذه المسألة منهم الدكتور الأحمق محمد فائق سليفي والضيع السفيه عبد الغفور الملنجي.
واحذر أيها السني من هؤلاء المفتونين, ولا تفتن بفتنتهم ولا فتنة الدنيا, قال الله تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف/28].
قال الإمام مسلم رحمه الله (7124) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالاَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِى مَسْلَمَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا نَضْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِى إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِى النِّسَاءِ». وَفِى حَدِيثِ ابْنِ بَشَّارٍ «لِيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ».
وقال الإمام مسلم رحمه الله (7606): حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ -يَعْنِى الدَّرَاوَرْدِىَّ- عَنِ الْعَلاَءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ».

الخامسة عشرة: أنهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف
فأمر لقمان باعبده أصحابه أن يطعنوا ويتكلموا عن مشايخ دار الحديث بدماج ومن معهم, ثم قام بعضهم في الطعن واللعن والضرب وغيرها من المنكرات لأهل السنة الذين قاموا مع دار الحديث بدماج. وهذه الأفعال تعتبر من أفعال ذي الوجهين, قال الله تعالى: الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (68) [التوبة/67، 68].
قد بين الله سبحانه في كتابه عن أحوال المنافقين أنهم ذو الوجهين: وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ [البقرة/14].
قال الإمام البخارى رحمه الله (6058) حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِى حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه- قَالَ قَالَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- «تَجِدُ مِنْ شَرِّ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ ذَا الْوَجْهَيْنِ، الَّذِى يَأْتِى هَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ».
فلما قام أحد من أصحاب حزب الشيطان واسمه أبو عبد الرحمن الطالبي أنكره محمد عمر السويد وأصحابه لأنه من المجهولين ولكن فلما قام أبو عمر بن عبد الحميد وأبو محفوظ علي فمحمد عمر السويد وأصحابه ما عندهم كلام عليهما بل هم يظهرون أنهم مع هذين المجهولين –دمرهما الله-.

السادسة عشرة: أنهم يحرصون على إسكات أهل السنة عن قول الحق.
قال الإمام البخارى رحمه الله (6056) حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هَمَّامٍ قَالَ كُنَّا مَعَ حُذَيْفَةَ فَقِيلَ لَهُ إِنَّ رَجُلاً يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إِلَى عُثْمَانَ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ سَمِعْتُ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم– يَقُولُ: «لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ».
وكثير من الحزبيين منهم أبو العباية أو أبو سلمان مصطفى البطاني وأصحابه –لا بارك الله فيهم- استدلالا بهذا الحديث يحرصون على إسكات أهل السنة عن قول الحق.
وأما الشرح هذا الحديث فقد نقل الإمام النووي رحمه الله عن أَبي حَامِد الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّه فِي "الْإِحْيَاء" قال: اِعْلَمْ أَنَّ النَّمِيمَة إِنَّمَا تُطْلَق فِي الْأَكْثَر عَلَى مَنْ يَنِمّ قَوْل الْغَيْر إِلَى الْمَقُولِ فِيهِ، كَمَا تَقُول: فُلَان يَتَكَلَّم فِيك بِكَذَا، قَالَ: وَلَيْسَتْ النَّمِيمَة مَخْصُوصَة بِهَذَا بَلْ حَدُّ النَّمِيمَةِ كَشْف مَا يُكْرَه كَشْفه سَوَاء كَرِهَهُ الْمَنْقُول عَنْهُ، أَوْ الْمَنْقُول إِلَيْهِ، أَوْ ثَالِث، وَسَوَاء كَانَ الْكَشْف بِالْكِنَايَةِ أَوْ بِالرَّمْزِ أَوْ بِالْإِيمَاءِ، فَحَقِيقَةُ النَّمِيمَةِ إِفْشَاءُ السِّرِّ، وَهَتْك السِّتْر عَمَّا يَكْرَه كَشْفه، فَلَوْ رَآهُ يُخْفِي مَالًا لِنَفْسِهِ فَذَكَره فَهُوَ نَمِيمَة، قَالَ: وَكُلُّ مَنْ حَمَلْت إِلَيْهِ نَمِيمَة، وَقِيلَ لَهُ: فُلَان يَقُول فِيك، أَوْ يَفْعَل فِيك كَذَا، فَعَلَيْهِ سِتَّة أُمُور:
الْأَوَّل: أَلَّا يُصَدِّقُهُ لِأَنَّ النَّمَّام فَاسِقٌ.
الثَّانِي: أَنْ يَنْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ، وَيَنْصَحهُ وَيُقَبِّح لَهُ فِعْله.
الثَّالِث: أَنْ يُبْغِضهُ فِي اللَّه تَعَالَى فَإِنَّهُ بَغِيضٌ عِنْدَ اللَّه تَعَالَى، وَيَجِب بُغْض مَنْ أَبْغَضه اللَّه تَعَالَى.
الرَّابِع: أَلَّا يَظُنَّ بِأَخِيهِ الْغَائِب السُّوء.
الْخَامِس: أَلَّا يَحْمِلهُ مَا حُكِيَ لَهُ عَلَى التَّجَسُّس وَالْبَحْث عَنْ ذَلِكَ.
السَّادِس: أَلَّا يَرْضَى لِنَفْسِهِ مَا نُهِيَ النَّمَّام عَنْهُ ؛ فَلَا يَحْكِي نَمِيمَته عَنْهُ، فَيَقُول: فُلَان حَكَى كَذَا فَيَصِير بِهِ نَمَّامًا، وَيَكُون آتِيًا مَا نُهِيَ عَنْهُ. هَذَا آخِر كَلَام الْغَزَالِيِّ رَحِمَهُ اللَّه.
وَكُلّ هَذَا الْمَذْكُور فِي النَّمِيمَة إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَصْلَحَة شَرْعِيَّة فَإِنْ دَعَتْ حَاجَةٌ إِلَيْهَا فَلَا مَنْع مِنْهَا؛ وَذَلِكَ كَمَا إِذَا أَخْبَرَهُ بِأَنَّ إِنْسَانًا يُرِيد الْفَتْك بِهِ، أَوْ بِأَهْلِهِ، أَوْ بِمَالِهِ، أَوْ أَخْبَرَ الْإِمَام، أَوْ مَنْ لَهُ وِلَايَةٌ بِأَنَّ إِنْسَانًا يَفْعَل كَذَا، وَيَسْعَى بِمَا فِيهِ مَفْسَدَة.
وَيَجِب عَلَى صَاحِب الْوِلَايَةِ الْكَشْف عَنْ ذَلِكَ وَإِزَالَته . فَكُلّ هَذَا وَمَا أَشْبَهَ لَيْسَ بِحَرَامٍ، وَقَدْ يَكُون بَعْضه وَاجِبًا، وَبَعْضه مُسْتَحَبًّا عَلَى حَسَب الْمَوَاطِن. وَاَللَّه أَعْلَم. (شرح النووي على مسلم: ج 1 / ص 214).